دور المرأة في عملية الأنسنة

المجموعة: دراسات خاصة
انشأ بتاريخ: الجمعة، 29 أيار 2015

من مانيفستو حرية المراة

مرت فترة تاريخية امتدت لآلاف السنين قبل بدء الحضارة. المجتمع هو نمط لتواجد النوع البشري، والأنسنة الأولى بدأت مع التحول الاجتماعي. من المعروف أن التاريخ بدأ بالأنوثة والذكورة، وحين ينشأ مجتمع ما نرى أن لعلاقة المرأة- الرجل دور كبير في تطوره بلا شك. أما أول فترة تنظيم اجتماعي فكانت بالأصل متمحورة حول المرأة. فالمرأة هي التي أخرجت الرجل من عالم الحيوانات. وهي بذاتها أول من اخترع نمط الجماعات، أي أنها أول من طور المجتمع حينما كان الرجل يغوص في حياة وحشية. المرأة أنشأت المجتمع، وتعلمت طهي الطعام، واكتشفت النار، وطورت الحياة الجماعية وخلقت القوة الجماعية، وهنا تكمن قوتها. بل حتى أنها خلقت قوة متقدمة للغاية تفوق الرجل في عظمتها لكونها تعمل بشكل جماعي. ثمة حقيقة ساطعة في التاريخ مفادها أن المرأة لعبت دوراً أساسياً ولفترات طويلة في عمليات الأنسنة الممتدة لملايين السنين من التاريخ البشري، فكانت بذلك المتممة، لا الناقصة. أما الناقص في الحياة والتحول الاجتماعي فكان جنس الرجل.

 

بينما اقتصرت غريزة الدفاع عن الذات وحمايتها لدى الأحياء الأولى على ذاتها، سلكت الأنثى الإنسان سلوكاً مغايراً حيث تبنت حماية أولادها أيضاً معها حتى صار ذلك ميزة أساسية ميزت المرأة عن بقية الأحياء الأخرى، فقد اضطرت المرأة لتوفير الغذاء وتأمين ظروف الحماية لأولادها بينما لم يكن الرجل يتحمل أية مسؤولية تجاه أي كائن آخر سوى نفسه. وبانتشار هذه الخاصية الأساسية للمرأة ابتدأ التغير في الخصائص الحيوانية، وتطورت مع الزمن العادات الإنسانية اللازمة للتحول الاجتماعي. وبفضل الكدح توصل الإنسان البدائي إلى مستوى الجماعات البشرية بعد أن كان في أول مراحل تطوره في أحضان الطبيعة الوحشية لا يختلف عن الحيوانات بشيء مقتصراً في حياته على استفزاز غريزتي الجوع والجنس. كما أن الجهود المبذولة في مصارعة الطبيعة القاسية وحماية الذات للاستمرار في الحياة قد أدت إلى تطور القوة الفكرية للإنسان الأولي. أما أول كدح جماعي فقد اكتُشِف أنه بدأ فطرياً مع الأنثى الإنسان أثناء حمايتها لمولودها.

هذا التواصل في الكدح بين المرأة ومولودها، سواء قبل ولادته حين تحمل به في رحمها- وهنا علينا ألا نعتبر فترة الأشهر التسعة من الحمل مجرد احتواء عبء مجرد في مكان ما- أو بعد الولادة حين تعطيه الأم من حليبها حتى يكبر؛ هذا التواصل قد كشف عن بذور أولى العواطف والمشاعر الإنسانية. هذه المشاعر التي بدأت بين الأم وأولادها والكدح الذي تطور بينهما، شملت مع الزمن كافة الإناث لتكون نقطة المشاطرة بينهن، وهكذا فإن أرضية الحياة المشتركة التي طورتها المرأة مع بنات جنسها لتأمين حاجياتها هي وأولادها "الرعاية، الحماية، التربية،....الخ" أصبحت بداية لأول حياة جماعية تركت بصماتها على الفترة الانتقالية من الحيوان إلى الإنسان. كما صارت أرضية الحياة الجماعية الأولى هذه انعكاساً حقيقياً لمشاطرة الكدح المشترك الأول بكل نقاء بعد أن تطورت بمقتضى الانضمام الطوعي لجماعاتٍ تجمعها احتياجاتها ومتطلباتها. وبسبب عدم وجود أي زيادة إنتاجية أو استهلاكية لم يكن قد تطور النزوع للتسلط والحاكمية أو المنفعية حينها. كما أسفر هذا التجمع الأول الناشئ طبيعياً بهدف تأمين الحاجيات المشتركة بشكل مشترك وتوفير الحماية المشتركة للأولاد، عن تطوير الوعي التنظيمي الأول.

من هنا نستوعب أن هذا الجو من الحياة المشتركة الأولى قد احتوى في جنباته على تقربات الاشتراكية البدائية. أي أن الاشتراكية تواجدت منذ مرحلة الأنسنة الأولى للبشرية. وبمعنى آخر كانت موجودة في طبيعة المرأة حيث شاعت حين خلقت المرأة إمكانيات الحياة ضمن إطار طبيعتها العفيفة النقية وخطت أولى خطواتها نحو الأنسنة. وهكذا لعبت المرأة دوراً تأسيسياً في خلق البشرية من خلال وضعيتها تلك.

يمكننا مشاهدة الآلية التنظيمية الناجمة دوماً عن الحياة المشتركة في هذا النموذج التنظيمي الأول. ومع تطور الحياة الجماعية على هذا المنوال برزت المشاكل المتعلقة بالحياة وبانت، مما استدعى ذلك وضع بعض الضوابط لتخطيها، فوُضِعت بذلك القواعد الأولى من قبل المرأة. وتعتبر تلك القواعد الأولى المرسومة من قبل الجماعات الأمومية التي تعمل على إعالة أطفالها، أولى القوانين غير المكتوبة والتي تعني بحد ذاتها أولى  المسلّمات والطواطم في التاريخ البشري. كما كانت أولى المسلَّمات المرسومة التي فصلت الإنسان عن عالم الحيوان وأمّنت سيادته على غرائزه، هي تلك المرسومة تجاه الرجل فيما يتعلق بمشاكل القوت والجنس.

يعد الحظر المفروض على الجِماع "ممارسة الجنس" أثناء فترة الحمل السابقة للولادة، وفي فترة الرضاعة اللاحقة لها - كضرورة من ضرورات الأمومة- الشكل الأولي للمسلّمات المطوَّرة فيما بعد، ويعتبر أول حظر في تاريخ البشرية. وبهذا الحظر "التحريم" الذي وضعته المرأة تم خطو أول خطوات الأنسنة بالتحكم في الغرائز الحيوانية سواء بالنسبة للمرأة أو لجنس الرجل على حد سواء، ذلك أن الإنسان ينفصل عن عالم الحيوانات كلما تحكم في غرائزه وراقبها ذاتياً.

أما الفرق الأولي الذي ميّز البشر عن النوع الحيواني فهو طول مدة الحمل نسبة للحيوانات الأخرى، وحاجة الوليد للرعاية لفترة أطول. أنْ تكون هذه الفترة طويلة لحد ما يعني في نفس الوقت طول فترة انفصال النساء القائمات بمهام الأمومة عن جنس الرجال، وهذا ما أسفر عن ضبط الأمهات طيلة هذه المدة لغرائزهن ونزواتهن وشد كافة الأناس المحيطين بهن للتأقلم مع هذا الانضباط. وفي غضون فترة الانفصال هذه داومت الأمهات اللواتي يعشن الحالة ذاتها على الحياة المشتركة والتأمين المشترك للاحتياجات الحياتية الناجمة عن ذلك.

تعد مسألة الرعاية والتغذية إحدى أهم الحاجات الحياتية طبيعياً، فحاجة الأم للتغذية والرعاية تعد عاملاً يؤثر مباشرة على تأمين حاجة الوليد أيضاً بهذا الصدد. من هذا المنطلق استمر جنس المرأة في سلوك الثقافة الزراعية وجمع الثمار بهدف إمداد المولود بغذاء أوفر ورعاية أفضل. وبسبب طبيعتها وخاصيتها المنافية للإضرار بأي مخلوق آخر فلم تلجأ إلى ممارسة الصيد قط. ونتيجة ارتباطها بمولودها ظلت حساسة تجاه اللحوم والدم من طرف، وساوت بين صغارها والحيوانات الثديية فعملت على اتخاذ التدابيراللازمة لحمايتها من طرف آخر. هكذا وبعدم اتباع الجماعات الأمومية مسلك الصيد قامت بوضع بعض المحرمات الثابتة تجاه نمط آكلي اللحوم والقائمين على الصيد من جنس الرجال في توفير الغذاء.

هذه المحرمات الأولى المسلَّم بها في التاريخ البشري، نمَّت عن دخول الرجل أيضاً مع الزمن إلى الجماعات الأمومية الأولى المنظمة وفق النسب الأمومي بحيث ساهمت في أن يعيش الجنسان معاً ويقوما سوية على حماية أطفالهما ضمن ظرف أفضل وأوسع كأول نمط للحياة الجماعية، فاكتسبت الإنسانية بذلك مستوى أرفع من التنظيم الواسع.

كما أنها –أي المسلَّمات والمحرمات التي طورتها تلك الجماعات الأولى في داخلها- طورت معها الطوطمية "عبادة الطوطم" التي لم تنحصر فقط في عدم إيذاء الأقارب، بل مثلت نمطاً من التحريم إزاء شتى أنواع الأعشاب والحيوانات المفيدة في صيرورة حياة أولئك الأقارب. وباعتبار الحيوانات والأعشاب "طوطم" من المقربين للأمهات- حيث تعمل الأمهات على حمايتها- فقد أدرجت في نفس القانون القدسي.

بمعنى آخر غدا الأقرباء "الطواطم" نوعاً معيناً لمؤسسة عقائدية مقدسة يتحتم العمل بها والامتثال لها في سبيل حماية كل شيء، يُعتَقَد بأنه مقدس وحياتي وإنه إن لحق به الضرر فسيُقحِم الإنسانية في كوارث لا حصر لها. وبفضل هذا السلوك التحريمي الطوطمي تمت إعاقة انقراض الأنواع المفيدة لاستمرار حياة الإنسان من حيوانات وأعشاب، وتأمين إيصالها إلى يومنا الحاضر.

إن هذه المسلّمات "المحرمات" المسنونة بهدف إيصال جنس الرجل إلى حالة يمكن فيها العيش معه وتأمين ديمومة الموارد الحياتية الموجودة في الطبيعة والضرورية لاستمرار الحياة؛ أصبحت العقد الجماعي للنظام الأمومي. وعقد الحياة المشتركة هذا قد أدى إلى حدوث تحولات ملحوظة في نمط حياة جنس الرجال وبالتالي في البنية الخصائصية المتطورة لديهم. فهذه الفوضوية الناجمة عن الانشغال بالصيد وحماية الذات داخل هذه الطبيعة الوحشية في البدايات للتمكن من الاستمرار في الحياة، تعرضت للضبط واللجم مع تكريس هذا العقد، مما نمّ ذلك عن اكتساب العادات الاجتماعية الناجمة عن العيش المشترك الذي رسخته الأمهات. وهكذا تغيرت حياة الرجل المنحصرة بذاته فقط، لتتحول مع المجتمعية إلى حياة تعتمد على قواعد ومتطلبات الجماعة.

وتجاه تزايد احتياجات الحياة المشتركة التي بدأتها المرأة بهذا الشكل من جهة، ومحدودية الموارد الموجودة لتأمين هذه المتطلبات من جهة أخرى؛ بدأت المرأة تبحث عن موارد إنتاجية جديدة لتكتشف العديد منها مع مرور الزمن نتيجة بحوثها تلك. ذلك أن المرأة التي كانت تقتات من الأعشاب البرية وجذورها في البداية، صارت مع مرور الزمن ذات حاكمية وسيادة على الطبيعة ليؤدي ذلك بدوره إلى حدوث تراكم معرفي لدرجة معينة وتطور مستوى الوعي، ومهّد لزيادة التجارب أيضاً. ومآل ذلك أن حلت تربية الأعشاب محل جمع الثمار، مما تولّد عن ذلك الحاجة للانتقال إلى حياة سكنية مستقرة في الأراضي الدائمة العطاء والبركة. أما الانتقال إلى الحياة المستقرة "الاستيطانية" فهي ثورة بحد ذاتها.

إن لعب المرأة دورها المؤثر وحتى المؤسس بهذا النمط في المراحل البدائية (الوحشية) للإنسانية، أي أثناء الانتقال من عالم الحيوان إلى أنسنة الإنسان؛ قد أضفى عليها قدسية سمت بها إلى مرتبة الإلهة الأنثى. إنها مراحل الميلاد الأول، والخلق الأول، حيث يشكل كل مصطلح جديد إمكانية جديدة، وبالتالي إلهاً جديداً. إن التأثير الرئيسي للأم في الإنتاج، وخصوبتها في الإنجاب قد أكسباها أهمية قصوى لا تضاهى، ومهدا السبيل بذلك لبدء عصر الإلهات الإناث. فالمرأة هي التي اكتشفت العديد من الأمور واخترعتها، بدءاً من الأعشاب المفيدة وأشجار الفاكهة، إلى الحيوانات الأليفة، والإفادة من التراب، إنشاء البيوت، رعاية الأطفال، المعزقة، صنع الرحى اليدوية. وحتى أنه يحتمل أن تكون العربات التي يجرها الثيران من إيجاد واختراع المرأة على الأغلب.

إذن، فعصر الإلهة الأم هو عصر تقديس وترميز دور المرأة عقب هذه التطورات المذهلة. ومع بدء الثورة النيوليتية التي يمكن تسميتها بعصر المرأة الذهبي، وصل عصر الإلهة الأم إلى أوجه عقب هذه المرحلة "الوحشية".

 

العقدة الأساسية للشرق الأوسط

يعيش الشرق الأوسط واقعا غريبا كل الاغتراب عن حقيقته التاريخية والثقافية والاجتماعية، وهذا تبعا للواقع المرير الذي هو فيه الآن. فبعد ماكان مهد الإنسانية والمجتمعية والحضارية منذ فترة ما تقارب على أكثر من 15000 عام والذي كان المجتمع حينئذ بريادة المرأة يسير، وتتعايش فيه كل الوقائع والحقائق في وتيرة متطورة منتظمة تؤدي وبشكل مستمر إلى

زمرة دم الإنسانية

بدون الأمس لا يمكن فهم اليوم وصعوبة فهم المرحلة السياسية هذه متعلقة  بصعوبة فهم الحكومة التي تمارس العمل السياسي، ولكن القليل من البحث في التاريخ يكفي للوصول إلى الحقيقة التي كشفت الستار عن مسرح عديمي الأخلاق من السياسيين الذين كرسوا الغوغائية صيغة وحيدة للعمل السياسي، عن هؤلاء الأقزام، عن الضفادع التي تقول عن صوتها: "نقيقنا أجمل صوت في الكون"

دنيا.. عاشقة الحرية

كانت صغيرة السن عندما اختارت طريق الثورة في جبال كردستان، ومنذ نعومة أظافرها عهدت على حب الوطن. فقد كانت الطفلة التي تشرق بلون القمر ونور الشمس، ووردة يانعة تشع بعينين بريئتين، وصاحبة وجه ملائكي ناعم. تعرفت على آهات أمهاتها وآلام شعبها وصرخاتهم لتبعث في قلبها الحنون روح التمرد والانتقام لأوجاعهم. طبعت في ذاكرتها هذه اللوحات واللحظات التراجيدية التي رافقت خيالها منذ صغر سنها

© 2018 PAJK Partiya Azadiya Jin a Kurdistan